الحر العاملي
129
إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات
فإن قيل : فلم لا يجوز أن يكون في الأرض إمامان في وقت واحد وأكثر من ذلك ؟ قيل : لعلل كثيرة منها : ( 1 ) أن الواحد لا يختلف فعله وتدبيره ، والاثنان لا يتفق فعلهما وتدبيرهما ، وذلك أنّا لم نجد اثنين إلا مختلفي [ الفهم ] والهمم والإرادة ، وإذا كانا اثنين ثم اختلف هممهما وتدبيرهما وإرادتهما وكانا كلاهما مفترضي الطاعة من صاحبه ، وكان يكون في ذلك اختلاف الخلق والتشاجر والفساد ، ثم لا يكون أحدهما إلا وهو عاص للآخر ، فتعم المعصية أهل الأرض ، ثم لا يكون لهما مع ذلك السبيل إلى الطاعة والإيمان ، فيكونون إنما أتوا في ذلك من قبل الصانع الذي وضع لهم باب الاختلاف والتشاجر والفساد ، إذ أمرهم باتباع المختلفين . ومنها : ( 2 ) أنهما لو كانا إمامين لكان لكل من الخصمين أن يدعو إلى غير الذي يدعو إليه صاحبه في الحكومة ؛ ثم لا يكون أحدهما أولى بأن يتبع صاحبه فتبطل الحقوق والأحكام والحدود . ومنها : ( 3 ) أن لا يكون واحد من الحجتين أولى بالمنطق والحكم والأمر والنهي من الآخر ، ولو كان هذا كذلك وجب عليهما أن يبتدئا بالكلام ، وليس لأحدهما أن يسبق صاحبه بشيء إذا كانا في الإمامة شرعا سواء ، فإن جاز لأحدهما السكوت بطلت الحقوق والأحكام ، وعطلت الحدود ، وصار الناس كلهم لا إمام لهم . فإن قيل : فلم لا يجوز أن يكون الإمام من غير جنس الرسول ؟ قيل لعلل منها : ( 1 ) أنه لما كان الإمام المفترض الطاعة لم يكن بد من دلالة تدل عليه ، وتميزه من غيره وهي القرابة المشهورة ، والوصية الظاهرة ليعرف من غيره ويهتدى إليه بعينه . ومنها : ( 2 ) أنه لو جاز في غير جنس الرسول لكان قد فضل من ليس برسول على الرسل ، إذ جعل أولاد الرسول أتباعا لأولاد أعدائهم كأبي جهل وابن أبي معيط لأنه قد يجوز بزعمهم أن ينقل ذلك في أولادهم إذا كانوا مؤمنين ، فيصير أولاد الرسول تابعين لأولاد أعداء اللّه ، وأعداء رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم متبوعين ، فكان الرسول أولى بهذه وأحق من غيره . ومنها : ( 3 ) أن الخلق إذا أقرّوا للرسول بالرسالة وأذعنوا له بالطاعة لم يتكبر